في ذاكرة مأرب، لا تقاس مكانة الرجال بالحضور القبلي وحده، بل بما يتركونه من مواقف سياسية وأدوار اجتماعية. وكان الشيخ محسن بن علي بن حسن بن معيلي واحدا من تلك الوجوه التي جمعت بين الميدان السياسي والوجاهة القبلية، وتركت أثرا بارزا في تاريخ وادي عبيدة.
ولد ابن معيلي نحو عام 1936 في منطقة المكراب بوادي عبيدة، ونشأ في بيت مشيخة، فوالده الشيخ علي بن حسن بن معيلي من مشايخ المنطقة المعروفين.
وفي تلك البيئة تشكلت خبرته المبكرة بالأعراف القبلية وشؤون الناس، وهي الخبرة التي لازمته حتى رحيله في 12 مايو 2019 في القاهرة أثناء تلقيه العلاج.

في صف الجمهورية
ارتبط اسم محسن بن معيلي بثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، حيث تشير روايات محلية وموسوعات توثيقية إلى مشاركته في صف الجمهوريين خلال معارك ما بعد الثورة ضد فلول الملكيين، وقيادته لمجاميع قبلية من عبيدة في تلك المرحلة المفصلية التي كان لموقف القبائل فيها أثر حاسم في ترجيح كفة الجمهورية.
ولم يكن حضوره عسكريا فقط، بل عكست الزوامل والأشعار المنسوبة إليه تمسكا واضحا بالخيار الجمهوري، حتى تحولت إلى جزء من الذاكرة الشفوية في مأرب التي تستعيد مواقفه وتصوراته عن علاقة القبيلة بالدولة.
مرجعية قبلية لإصلاح ذات البين
في وادي عبيدة، عرف ابن معيلي بوصفه مرجعية اجتماعية يلجأ إليها الناس لحل الخلافات. وارتبط اسمه بمساع واسعة لإنهاء الثارات القبلية وتقريب وجهات النظر بين المتخاصمين، مستندا إلى معرفته بالأعراف ومكانته بين أبناء المنطقة.
وتناولت بيانات التعزية الصادرة عقب وفاته من السلطة المحلية وشخصيات قبلية واجتماعية هذا الجانب تحديدا، مشيدة بأدواره في إصلاح ذات البين وتعزيز التماسك الاجتماعي، وهي وظيفة كانت تضطلع بها المرجعيات القبلية في مجتمعات تتداخل فيها الأعراف مع شؤون الأمن والاستقرار اليومي.

موقفه من دخول مليشيا الحوثي إلى مأرب
برز موقف ابن معيلي بوضوح خلال تطورات عام 2014. ففي مقابلة صحفية نشرتها صحيفة الشارع في ديسمبر من ذلك العام، أعلن رفضه لأي اتفاق يفتح الباب أمام دخول مليشيا الحوثي إلى مأرب بالسلاح، محذرا من أن الاتفاقات التي لا تحظى بقبول واسع بين قبائل المحافظة ستكون عرضة للخرق وتجر المحافظة إلى مشكلات جديدة.
كما انتقد في المقابلة ذاتها تقصير بعض الأطراف في منع الاعتداءات على أبراج الكهرباء وأنبوب النفط، داعيا إلى معالجة المطالب عبر مؤسسات الدولة بدلا من ترك المجال لأعمال تربك الأوضاع وتضر بمصالح الناس.

بين القبيلة والدولة
لم يكن ابن معيلي ينظر إلى المشيخة كوجاهة تقليدية، بل كمسؤولية لحفظ التوازن الاجتماعي. وفي أحاديثه عن أحوال القبيلة، عبر عن قلقه من تراجع بعض الأعراف الأصيلة وتحول علاقة بعض المشايخ بالدولة إلى علاقة مصالح آنية، على حساب الوظيفة الاجتماعية للشيخ كحام للحقوق ومانع للنزاعات.
وكان يرى أن قوة المجتمع لا تقاس بكثرة السلاح أو عدد المشايخ، بل بقدرة أعرافه وقياداته الاجتماعية على حماية الحقوق وصون السلم الأهلي.

رحيل في القاهرة وذاكرة في مأرب
في 12 مايو 2019، غادر الشيخ محسن بن معيلي الحياة في العاصمة المصرية القاهرة، ليشيع جثمانه بعد ذلك في مسقط رأسه بالمكراب بوادي عبيدة، بحضور رسمي وقبلي واسع من مأرب ومحافظات أخرى، في مشهد عكس حجم حضوره.

لم تكن سيرته مجرد حكاية شيخ قبلي، بل صفحة من تاريخ مأرب الحديث، حيث تداخلت أدوار القبيلة مع التحولات السياسية الكبرى. ويبقى توثيق مثل هذه السير ضرورة لحفظ ذاكرة سبأ وتقديمها للأجيال الجديدة مستندة إلى الوثائق والشهادات المتقاطعة.