ثروات قياسية وشعور متنام بالفقر

متسوقون في مركز تجاري بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب) متسوقون في مركز تجاري بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)

المفارقة تزداد وضوحا، التقارير تتحدث عن صعود الناتج وتقدم التكنولوجيا وتضخم الثروات الخاصة، بينما يوميات الناس تقول عكس ذلك تماما، إيجارات أعلى وفاتورة غذاء وطاقة أثقل وحلم منزل يبتعد وراتب لا يصمد حتى آخر الشهر رغم كل الارقام المتفائلة.

المقياس الشائع هنا هو الناتج المحلي الإجمالي، وهو مهم لكنه لا يجيب عن الاسئلة الحقيقية، من استفاد من الزيادة وماذا يشتري الموظف براتبه وهل يستطيع تحمل السكن والتعليم ومواجهة طارئ صحي، فالقيمة المنتجة شيء وتوزيعها وقدرتها الشرائية شيء آخر.

في الولايات المتحدة وصل متوسط دخل الاسرة الى 87460 دولارا في 2025 بعد احتساب التضخم وهو رقم قياسي ظاهريا، لكن الزيادة الحقيقية لم تتجاوز 2.5 في المئة مقارنة بعام 2019 خلال ست سنوات كاملة، بينما كانت قفزت نحو 19 في المئة في السنوات الست السابقة لتلك الفترة، اي ان الدخل الاسمي ارتفع لكن الطريق لتحسين المعيشة اصبح اطول.

الصورة لا تختلف كثيرا في اوروبا، اسعار المنازل في الاتحاد الاوروبي ارتفعت 53 في المئة بين 2010 و2024 والايجارات 25 في المئة، والاسرة تنفق في المتوسط 19 في المئة من دخلها المتاح على السكن وتصل النسبة الى 37 في المئة لدى محدودي الدخل، وفي فرنسا فقدت الاسرة المكونة من اربعة افراد نحو 1200 يورو سنويا من قدرتها الشرائية بين 2024 و2026 وتراجعت الاجور الحقيقية نحو 2 في المئة منذ 2019، لذلك لا يقنع الناس شعار النمو، فالناس لا تدفع بالارقام الكلية بل بدخلها.

المشكلة الثانية في الاجور الحقيقية، منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تؤكد انها بدأت تتحسن لكنها ما زالت دون المسار الذي كانت ستبلغه لولا موجة التضخم منذ 2022، وفي الربع الاول من 2026 نمت 2.2 في المئة مقابل 2.7 في المئة قبل عام، وانخفاض التضخم لا يعني عودة الاسعار الى الوراء، فاذا صعد السعر من 100 الى 130 ثم تباطأ التضخم فالسعر يبقى 130 ويصبح صعوده ابطأ فقط، هنا يحدث سوء الفهم، الخبير يقول التضخم يتراجع والمواطن يقول الاسعار مرتفعة وكلاهما محق.

لبنان يقدم الوجه الاقسى للمفارقة، فبعد نمو حقيقي 4.2 في المئة في 2025 يتوقع البنك الدولي انكماشا 6.4 في المئة في 2026 مع تجدد الصراع وتاثيره على الاستهلاك والاستثمار والسياحة والبنية التحتية وتضخم متوقع 17.5 في المئة هذا العام في ظل ميزان تجاري منحاز للواردات، وصندوق النقد اشار في سبتمبر 2026 الى استمرار التضخم في خانة العشرات وتضرر المعيشة والمساكن والحاجة لاعادة هيكلة عميقة للمصارف، اللبناني يعرف النمو والانكماش من سعر الغذاء والنقل وقيمة مدخراته وقدرته على دفع العلاج والتعليم.

العالم اتقن قياس حجم الاقتصاد لكنه لم يتقن بعد قياس الامان الاقتصادي، قد يرتفع الناتج بينما يسبقه السكن في الارتفاع وقد تتركز الثروة في القمة فلا يشعر بها الاغلبية وقد ينخفض التضخم دون ان تنخفض الاسعار، السؤال الاهم ليس كم نما الاقتصاد بل من استفاد منه، واذا لم يترجم النمو الى قدرة على شراء منزل واجر يحمي من التضخم وشعور بالاستقرار فما جدوى جمال الارقام.

حين يبقى النمو حقيقة في الجداول فقط تتآكل الطبقة الوسطى التي تشكل عماد المجتمع ومحركه، ويتحول النمو غير العادل الى ازمة ثقة في الاقتصاد والديمقراطية نفسها، وهو ما يخلخل المجتمعات وقد يزلزل استقرار الدول.