تحول ديموغرافي خطير يهدد ثلاثة من أكبر اقتصادات آسيا، فالصين واليابان وكوريا الجنوبية قد تخسر ما يصل إلى ربع قوة العمل بحلول 2050 بسبب تسارع الشيخوخة، وهو ما يضع النمو والإنتاجية والتنافسية على المحك.
وقال كريشنا سرينيفاسان مدير إدارة آسيا والمحيط الهادئ في صندوق النقد الدولي مساء الاثنين إن القوى العاملة في الدول الثلاث معرضة للانكماش بنسبة 25 في المئة خلال العقود المقبلة.
التقدير لا يمس سوق العمل فقط، بل يمتد إلى المالية العامة وأنظمة التقاعد والرعاية الصحية وقدرة الشركات على الإنتاج والاستثمار، فانخفاض المواليد وارتفاع متوسط العمر يدفعان نسبة كبار السن للصعود مقابل تآكل شريحة سن العمل.
ورغم اختلاف السياسات بين بكين وطوكيو وسيول إلا أن المعضلة واحدة، كيف يستمر النمو مع قاعدة عمالة تتقلص وتتراجع معها قوة الاستهلاك والإيرادات الضريبية.
الخطر الأكبر يكمن في بنية النمو نفسها، فالناتج يقوم على حجم العمالة وإنتاجيتها، ومع تراجع العدد تصبح الإنتاجية طوق النجاة، وهذا يتطلب توسعا في التكنولوجيا والأتمتة وتأهيل المهارات.
اليابان تعيش التجربة منذ سنوات، ندرة العمالة باتت تحسم قرارات الأجور والتوظيف والاستثمار في المعدات الموفرة للأيدي العاملة، والصين تواجه وضعا أعقد بحكم حجم اقتصادها وقاعدتها الصناعية وحاجتها لتعزيز الاستهلاك وتقليل الاعتماد على الاستثمار والصادرات، وأي نقص في سن العمل قد يبطئ المصانع والخدمات ما لم تعوضه الكفاءة.
أما كوريا الجنوبية فمخاوفها تتصاعد مع أدنى معدلات مواليد في العالم، ما يهدد إمداد القطاعات الصناعية والتكنولوجية والخدمية بالعمالة.
التداعيات المالية لا تقل خطورة، فمع تضخم شريحة كبار السن يرتفع الإنفاق على المعاشات والصحة والخدمات الاجتماعية بينما تتباطأ الإيرادات الضريبية، فتجد الحكومات نفسها أمام معادلة صعبة، تمويل التزامات متزايدة دون تحميل الأجيال الشابة أعباء قد تخنق الاستهلاك والاستثمار، وقد يأكل الإنفاق المرتبط بالشيخوخة موارد البنية التحتية والتعليم والبحث العلمي، وهو اختبار حساس لليابان المثقلة بدين عام ضخم، وتحد مبكر للصين وكوريا.
التكنولوجيا قد تخفف الصدمة، فالذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة تمنح الدول الثلاث فرصة لرفع إنتاجية الفرد وتقليل الاعتماد على العمل البشري في بعض الأنشطة، لكن المسار يحتاج تدريبا مستمرا وإعادة تأهيل لضمان انتقال العاملين لوظائف أعلى قيمة، كما أن قطاعات مثل الرعاية الصحية وخدمات المسنين تظل معتمدة على العنصر البشري، ومع ارتفاع الطلب عليها ستحتدم المنافسة على العمالة وترتفع التكاليف.
إصلاح سوق العمل أصبح ضرورة، زيادة مشاركة النساء وكبار السن ومرونة التوظيف ورفع سن التقاعد تدريجيا حيث تسمح الظروف الصحية والاجتماعية يمكن أن يبطئ الانكماش ويخفف الضغط على المعاشات، إضافة إلى سياسات داعمة للأسرة مثل رعاية الأطفال والتوازن بين العمل والحياة لمعالجة أسباب انخفاض المواليد، غير أن أثرها يحتاج سنوات طويلة، وقد تلجأ بعض الاقتصادات لسد الفجوات عبر استقطاب العمالة الأجنبية في قطاعات محددة رغم حساسياتها السياسية والاجتماعية.
الأثر يتجاوز الحدود الوطنية، فالدول الثلاث محور التجارة الدولية وسلاسل الإمداد والصناعات المتقدمة، وأي تغير في تكاليفها سيظهر في أسعار السلع والتكنولوجيا وتدفقات الاستثمار، وقد تدفع ندرة العمالة الشركات لإعادة توزيع الإنتاج أو التوسع في المصانع المؤتمتة بما يعيد رسم خريطة التجارة في آسيا، بينما قد تستفيد اقتصادات آسيوية بتركيبة سكانية شابة من جذب الاستثمارات الباحثة عن الأيدي العاملة.
تحذير صندوق النقد يضع الشيخوخة في قلب القرار الاقتصادي لا على هامشه، فقدرة الصين واليابان وكوريا الجنوبية على الحفاظ على مكانتها بحلول منتصف القرن ستتوقف على رفع الإنتاجية وإصلاح سوق العمل وتطوير أنظمة التقاعد والحماية الاجتماعية، والاستجابة المبكرة هي التي ستحدد مسار النمو والاستقرار في شرق آسيا.