من اتفاق مكة إلى مقاتلات «تايفون».. تحركات متسارعة لتشكيل جبهة عسكرية أوسع ضد الحوثيين

صورة تعبيرية صورة تعبيرية

تفاهمات سعودية–إماراتية، واستعدادات مصرية، وتحركات تركية وباكستانية، ومشاركة بريطانية وفرنسية تعيد رسم خريطة التحالفات العسكرية في المنطقة

تتسارع التحركات السياسية والعسكرية الإقليمية والدولية لإعادة ترتيب التحالفات وتوسيع جبهة المواجهة مع مليشيا الحوثي الإرهابية، في ظل تصاعد هجماتها على المملكة العربية السعودية، وتجدد العمليات العسكرية في اليمن، وسط مؤشرات متزايدة على اتجاه عدد من القوى الإقليمية والدولية نحو تعزيز التنسيق العسكري والدفاعي، بما قد يمهد لتشكيل جبهة أكثر اتساعًا في مواجهة المليشيا المدعومة من إيران.

وخلال الأسابيع الأخيرة، برزت سلسلة من التطورات اللافتة، شملت تفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك، والتحضير لنشر قوات وقدرات عسكرية، وتوسيع المشاركة الدولية في حماية الأجواء والمنشآت السعودية، إلى جانب تفاهمات بشأن دعم القوات اليمنية المناهضة للحوثيين، وتحركات سياسية وعسكرية متزامنة في الرياض وأبوظبي والقاهرة وأنقرة وإسلام آباد ولندن وباريس.

ورغم عدم الإعلان رسميًا عن تشكيل تحالف عسكري هجومي جديد، فإن تزامن هذه التحركات، وتقارب أهدافها، وانتقال بعضها من التصريحات السياسية إلى الإجراءات العسكرية الفعلية، يعكس تحولًا مهمًا في طبيعة التعامل الإقليمي والدولي مع التهديد الحوثي، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من المواجهة تتجاوز الأطر العسكرية التقليدية للتحالف الداعم للشرعية اليمنية.

اتفاق مكة.. من التوقيع إلى التفعيل العسكري

بدأت أبرز ملامح هذا التحول في 7 أغسطس 2026، بتوقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي ينص على اعتبار أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على بقية الأطراف، في خطوة أسست لإطار دفاعي إقليمي جديد يجمع ثلاث دول تمتلك قدرات عسكرية واستراتيجية مؤثرة.

ومع تصاعد الهجمات الحوثية، انتقل الاتفاق إلى مرحلة أكثر تقدمًا في 5 أكتوبر، عندما عقد وزراء الدفاع والخارجية وكبار القادة العسكريين للدول الثلاث اجتماعًا طارئًا في الرياض، اتفقوا خلاله على المضي في التنفيذ العملي لالتزامات الدفاع المشترك، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها وضمان سرعة نشرها في السعودية، وفق الترتيبات المعتمدة والتشريعات الوطنية.

وتزامن ذلك مع إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الدكتور رشاد العليمي، في 4 أكتوبر، انطلاق العمليات العسكرية لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اليمنية، في تحول ميداني أعاد المواجهة العسكرية إلى صدارة الخيارات المطروحة بعد تعثر جهود التهدئة.

وفي الأيام التالية، تواصلت الترتيبات الخاصة باتفاق مكة، مع الإعلان عن اختيار الفريق الباكستاني المتقاعد نعمان محمود أمينًا عامًا له، والعمل على تأسيس أمانته العامة في الرياض، بما يعكس توجه الدول الثلاث نحو إنشاء هيكل مؤسسي دائم للتنسيق الدفاعي.

وعززت باكستان هذا المسار بتأكيد التزامها العسكري بالدفاع عن أمن السعودية وسيادتها، فيما أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في 12 أكتوبر، تسريع إجراءات المصادقة على الاتفاق، قبل أن تكشف وكالة رويترز، الثلاثاء 20 أكتوبر، عن إحالته إلى البرلمان التركي لاستكمال الإجراءات التشريعية.

غير أن الموقف التركي لا يزال يميز بين الدعم الدفاعي والمشاركة في العمليات الهجومية، إذ استبعدت أنقرة نشر قوات للمشاركة في هجمات داخل اليمن، مؤكدة أن مساهمتها تتركز في المجالات الدفاعية والفنية.

مصر تقترب من دائرة المشاركة العسكرية

وفي تطور موازٍ، اتجهت مصر إلى رفع مستوى التزامها تجاه أمن السعودية، بعدما أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي، في 13 أكتوبر، استعداد بلاده لتقديم مختلف أشكال الدعم للمملكة، بما في ذلك المساعدة العسكرية، مؤكدًا أن القاهرة تدرس بجدية الانضمام إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك.

وانتقل هذا التوجه إلى مستوى الرئاسة المصرية، عندما أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي، في 17 أكتوبر، استعداد بلاده لاتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن السعودية، وطلب تفويضًا برلمانيًا يسمح للقوات المسلحة بتقديم المساندة العسكرية عند الحاجة.

وفي اليوم التالي، عقد مجلس الدفاع الوطني المصري اجتماعًا برئاسة السيسي، أعلن عقبَه الاستعداد لتقديم جميع أشكال الدعم الضرورية والممكنة لحماية أمن المملكة واستقرارها وسيادتها، بالتوازي مع استمرار الجهود الدبلوماسية لخفض التصعيد.

ورغم تأجيل البرلمان المصري في 19 أكتوبر التصويت على تفويض المشاركة العسكرية إلى 26 أكتوبر، فإن انتقال الملف إلى المؤسسات الدستورية والعسكرية المصرية يعكس جدية دراسة خيارات المساندة، ويفتح الباب أمام احتمال انضمام قوة عربية رئيسية إلى الترتيبات الدفاعية الإقليمية.

وتكتسب المشاركة المصرية المحتملة أهمية إضافية بالنظر إلى ارتباط أمن السعودية بأمن البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس، والمصالح الاستراتيجية المشتركة للبلدين في حماية الملاحة الدولية ومنع تمدد التهديدات الحوثية.

تفاهم سعودي–إماراتي يعيد ترتيب أوراق المواجهة

وعلى مستوى العمليات داخل اليمن، برز أحد أهم التطورات في 17 أكتوبر، عندما كشفت صحيفة الغارديان البريطانية، نقلًا عن مصادر يمنية، عن تفاهم سعودي–إماراتي يقضي باستئناف أبوظبي تمويل بعض القوات اليمنية المناهضة للحوثيين، وفي مقدمتها ألوية العمالقة، مقابل توفير السعودية الغطاء الجوي لتلك القوات.

ويمثل هذا التفاهم، إذا تأكد تنفيذه، مؤشرًا مهمًا على إمكانية تجاوز الخلافات السابقة بشأن الملف اليمني، وإعادة تنسيق الدعم العسكري للقوات الحكومية، بما يتيح الجمع بين القدرات الجوية السعودية والخبرة القتالية للقوات اليمنية التي سبق أن تلقت دعمًا إماراتيًا.

وجاء هذا التقرير قبل يوم واحد من زيارة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى أبوظبي، في 18 أكتوبر، حيث التقى رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ونائب رئيس الدولة الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، وبحث معهما تطورات المنطقة وتعزيز التعاون والتنسيق المشترك لدعم الأمن والاستقرار.

ورغم أن البيانات الرسمية للقاءات لم تتضمن إعلانًا عن ترتيبات عملياتية جديدة في اليمن، فإن توقيت الزيارة، وطبيعة الملفات الأمنية المطروحة، يمنحانها أهمية خاصة في سياق التحركات الرامية إلى إعادة تنسيق الجهود العسكرية لمواجهة الحوثيين.

وتبرز أهمية هذا المسار في أن أي تحالف عسكري يسعى إلى إحداث تحول حاسم على الأرض يحتاج، إلى جانب التفوق الجوي، إلى قوات يمنية برية قادرة على تنفيذ العمليات، وإلى توافق سياسي وعسكري يضمن توحيد الأهداف والجهود بين التشكيلات المناهضة للمليشيا.

بريطانيا تدخل على خط الدفاع الجوي

وشهد الثلاثاء 20 أكتوبر تطورًا لافتًا تمثل في إعلان بريطانيا توسيع مشاركتها العسكرية في دعم السعودية، من خلال تخصيص مقاتلات تايفون التابعة لسلاح الجو الملكي لتنفيذ دوريات دفاعية لحماية الأجواء والمدن والمنشآت الحيوية السعودية من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الحوثية.

وأكدت وزارة الدفاع البريطانية أن حزمة الدعم تشمل أيضًا طائرة نقل عسكرية من طراز A400M، ومستشارين عسكريين لدعم الضباط السعوديين، فضلًا عن تمديد مهمة التزود بالوقود جوًا لمدة 90 يومًا إضافية.

ويمثل القرار انتقال المساندة البريطانية إلى مستوى أوسع من العمليات الجوية الدفاعية المباشرة، بعد أن كانت لندن قد أعلنت في سبتمبر تقديم دعم للتزود بالوقود جوًا ومعدات لمواجهة التهديدات الجوية.

وشددت بريطانيا على أن مقاتلاتها لن تنفذ ضربات هجومية ضد الحوثيين، وأن مهمتها تقتصر على حماية الأراضي والمنشآت السعودية، وهو ما يوضح طبيعة المشاركة العسكرية وحدودها.

وفي السياق ذاته، كانت فرنسا قد أعلنت في 24 سبتمبر قرار تقديم دعم دفاعي لحماية البنية التحتية للطاقة السعودية، ولا سيما الممر النفطي الممتد من شرق المملكة إلى ميناء ينبع، قبل أن تؤكد وزارة الخارجية الفرنسية في 15 أكتوبر أن إجراءات تنفيذ هذا الدعم جارية.

ويشير تزامن الدعمين البريطاني والفرنسي إلى اتساع الاهتمام الأوروبي بالأمن السعودي، في ظل المخاطر التي تشكلها الهجمات الحوثية على إمدادات الطاقة والملاحة الدولية والاستقرار الاقتصادي.

غطاء خليجي ودولي متزايد

ولم تقتصر التحركات على الجانب العسكري، إذ تزامنت مع مواقف دبلوماسية جماعية تعزز حق السعودية في الدفاع عن نفسها.

ففي 11 أكتوبر، أصدرت السعودية وتركيا وباكستان ومصر بيانًا مشتركًا أدان الهجمات الحوثية، وأكد دعم الإجراءات المشروعة التي تتخذها المملكة لمواجهة الاعتداءات وردع التهديدات ومنع تكرارها، في مؤشر على تقارب مواقف الدول الأربع تجاه التصعيد.

وفي 15 أكتوبر، أصدر مجلس الأمن الدولي بيانًا رئاسيًا بالإجماع أدان الهجمات الحوثية على السعودية، وأكد حق المملكة في الدفاع عن نفسها وفق القانون الدولي، ودعا إلى التنفيذ الكامل للقرارات المتعلقة بحظر توريد الأسلحة إلى المليشيا.

وتعزز هذا الموقف في 18 أكتوبر، عندما أكد المجلس الوزاري لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، في اجتماعه بالمنامة، أن أمن دول المجلس كل لا يتجزأ، وأن أي اعتداء على إحدى دوله يُعد اعتداءً على الجميع، وفق اتفاقية الدفاع المشترك.

ودعا المجلس إلى تشديد حظر تسليح الحوثيين، والعمل على تصنيف المليشيا جماعة إرهابية، ووقف مصادر الدعم التي تمكّنها من امتلاك الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وتوفر هذه المواقف غطاءً سياسيًا وقانونيًا للتعاون الدفاعي بين الدول، دون أن تعني بالضرورة صدور تفويض دولي بعمليات هجومية جديدة داخل اليمن.

التصعيد الحوثي يدفع نحو توسيع المواجهة

وتأتي هذه التحركات على وقع تصعيد عسكري حوثي شمل استهداف المطارات والمنشآت الحيوية السعودية، والاعتداءات على مواقع القوات الحكومية اليمنية، بالتزامن مع تجدد المواجهات في عدد من الجبهات، خصوصًا تعز والمناطق المحيطة بباب المندب.

وفي 19 أكتوبر، أسفر هجوم صاروخي حوثي استهدف معسكر العلم التدريبي في محافظة شبوة عن سقوط عشرات القتلى وأكثر من 200 مصاب، في واحد من أكثر الهجمات دموية خلال التصعيد الأخير، ما ضاعف المخاوف من اتساع نطاق الحرب وتزايد كلفتها الإنسانية.

وتعكس هذه التطورات حجم التحديات التي تواجه الحكومة اليمنية والتحالف الداعم لها، والحاجة إلى تعزيز قدرات الدفاع الجوي، وحماية المنشآت الحيوية، ورفع مستوى التنسيق بين القوات العسكرية المناهضة للحوثيين.

هل تتشكل جبهة عسكرية جديدة؟

تشير مجمل التطورات إلى ثلاثة مسارات متوازية يجري العمل عليها بصورة متسارعة؛ أولها إعادة تنشيط التنسيق العسكري السعودي–الإماراتي ودعم القوات اليمنية على الأرض، وثانيها بناء منظومة دفاعية إقليمية تضم السعودية وتركيا وباكستان، مع احتمال انضمام مصر، وثالثها توسيع المساندة العسكرية الدولية عبر مشاركة بريطانيا وفرنسا في حماية الأجواء والمنشآت الحيوية السعودية.

غير أن انتقال هذه المسارات إلى تحالف عسكري موحد يظل مرهونًا بعدة عوامل، أبرزها توحيد الأهداف العسكرية والسياسية، وتحديد طبيعة أدوار الدول المشاركة، واستكمال الإجراءات القانونية والدستورية، فضلًا عن معالجة التباينات بين القوى اليمنية المناهضة للحوثيين.

وتؤكد التطورات أن بعض الدول تركز على حماية الأراضي السعودية وردع الهجمات الحوثية، فيما تتجه الحكومة اليمنية إلى استعادة المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا، وهو اختلاف في نطاق المهام يستلزم تنسيقًا أكبر قبل الحديث عن قيادة عسكرية مشتركة أو خطة عمليات موحدة.

ومع ذلك، فإن التحركات المتلاحقة منذ مطلع أكتوبر، وصولًا إلى قرار بريطانيا نشر مقاتلات تايفون، تكشف عن تغير واضح في مستوى الانخراط العسكري الإقليمي والدولي، وعن توجه متزايد للتعامل مع التهديد الحوثي باعتباره تحديًا يتجاوز حدود اليمن إلى أمن الخليج والبحر الأحمر وإمدادات الطاقة والملاحة العالمية.

وبينما لم تتبلور بعد ملامح تحالف هجومي جديد بصورة رسمية، فإن إعادة ترتيب التحالفات القائمة، وتفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك، وتوسيع الدعم العسكري المباشر، قد تمثل مقدمات لمرحلة مختلفة من المواجهة مع مليشيا الحوثي، تتوقف طبيعتها ونتائجها على مدى قدرة الأطراف المعنية على تحويل هذه التحركات المتوازية إلى استراتيجية مشتركة ذات أهداف واضحة.