في أرض تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى الصحراء منها إلى واحة زراعية، صنعت أيدي اليمنيين قبل أكثر من ألفي عام واحدة من أقدم منظومات الري الكبرى في جنوب الجزيرة العربية، وحولت مياه السيول الموسمية إلى مصدر للحياة والازدهار.
هناك، في مأرب، لم يكن السد مجرد حاجز من الحجارة والتراب في مجرى واد، بل كان قلب منظومة مائية متكاملة قامت عليها الزراعة، ونمت حولها المدن، وازدهرت التجارة، ورسخت مكانة مملكة سبأ التي أصبحت واحدة من أبرز ممالك جنوب الجزيرة العربية.
إنه سد مأرب.. أحد أشهر الشواهد الباقية على قدرة الإنسان اليمني القديم على تطويع الطبيعة وإدارة المياه في بيئة قاسية.
وتدرج اليونسكو معالم مملكة سبأ القديمة في مأرب ضمن قائمة التراث العالمي، وتشمل سبعة مواقع أثرية تشهد على الإنجازات المعمارية والتقنية والحضارية للمملكة، فيما تمثل منظومة ري مأرب أحد أبرز شواهد التقدم في الهندسة الهيدروليكية والزراعة في جنوب الجزيرة العربية القديم.
الماء الذي صنع مدينة
تقع مأرب في منطقة تتلقى كميات محدودة من الأمطار، لكنها كانت تستقبل سيولا موسمية قوية تهبط من المرتفعات عبر وادي ذنة.
وكان التحدي أمام سكان المنطقة واضحا: كيف يمكن تحويل مياه السيول التي تأتي لفترة قصيرة إلى مورد مستمر يخدم الزراعة والحياة؟
جاءت الإجابة في منظومة هندسية تطورت على مدى قرون، وارتبط مركزها بالسد والمنشآت والقنوات التي عملت على حجز المياه وتوجيهها وتوزيعها على الأراضي الزراعية.
وتشير اليونسكو إلى أن منظومة الري القديمة في مأرب أدت إلى إنشاء واحدة من أكبر الواحات الاصطناعية في العالم القديم، وهو إنجاز يكشف عن معرفة متقدمة بالهيدرولوجيا والزراعة وإدارة المياه، إضافة إلى وجود سلطة مركزية قادرة على إدارة منظومة بهذا التعقيد.
ولم تكن تلك المنظومة منشأة منفردة، بل شبكة متكاملة من السدود والتحويلات والقنوات والمنشآت المرتبطة بها.
ومن أبرز مكوناتها السدان الشمالي والجنوبي عند جانبي وادي ذنة، إضافة إلى سد الجفينة الذي كان جزءا من منظومة تحويل المياه إلى الأراضي الزراعية.
قصة بناء لم تبدأ في يوم واحد
لا يمكن اختزال تاريخ سد مأرب في تاريخ إنشاء واحد، فالموقع ظل يتطور ويعاد بناؤه وصيانته على فترات طويلة.
وتشير وثائق اليونسكو إلى أن توثيق أعمال البناء والتطوير ارتبط بملوك سبأ منذ القرن الثامن قبل الميلاد، وأن نقشا يعود إلى منتصف القرن الثامن قبل الميلاد يعد من أقدم الأدلة المكتوبة على أعمال بناء واستخدام منشآت السد.
وتورد مصادر يمنية رسمية أن تاريخ بناء سد مأرب يعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد، وأنه ظل مرتبطا بالحضارة اليمنية القديمة حتى مراحل انهيارها. كما تشير المصادر نفسها إلى وجود سد الجفينة الأقدم منه ضمن منظومة الري في المنطقة.
وهذا التطور الطويل يعكس طبيعة الحضارة التي نشأت في مأرب؛ فالسد لم يكن مشروعا منفصلا عن الدولة والمجتمع، وإنما كان جزءا من منظومة اقتصادية وإدارية واسعة تحتاج إلى التخطيط والصيانة والتنظيم المستمر.
عندما تحولت مأرب إلى واحة
كان التحكم في المياه يعني التحكم في الزراعة.
ومع انتظام الري، أصبحت الأراضي المحيطة بمأرب أكثر قدرة على الإنتاج، ونشأت واحة واسعة وسط بيئة شبه جافة.
وتشير اليونسكو إلى أن منظومة الري في مأرب أسهمت في إقامة أكبر واحة اصطناعية في العالم القديم، وربطت بين الهندسة المائية والزراعة والاستقرار العمراني.
ولم تتوقف أهمية مأرب عند الزراعة.
فموقعها جعلها محطة رئيسية على طرق تجارة البخور القديمة، وربطها بشبكات تجارية امتدت عبر الجزيرة العربية إلى مناطق في البحر المتوسط وشرق إفريقيا.
وتصف اليونسكو مأرب بأنها كانت مركزا رئيسيا على طريق البخور، وأن مملكة سبأ سيطرت من مركزها في مأرب على أجزاء واسعة من البلاد وعلى طرق التجارة التي امتدت شمالا.
وهكذا ارتبطت ثلاثة عناصر في مكان واحد:
الماء.. والزراعة.. والتجارة.
ومن اجتماعها نشأت قوة اقتصادية ساعدت على ازدهار المملكة ونمو مدنها ومعابدها ومنشآتها.

السد لم يكن وحده
عندما نتحدث عن سد مأرب، فإننا نتحدث في الحقيقة عن منظومة حضارية كاملة.
فحول السد نشأت مدينة مأرب القديمة، وظهرت المعابد والمنشآت الضخمة التي ما تزال آثارها شاهدة على مستوى التنظيم الذي بلغته المملكة.
وتضم معالم مملكة سبأ المسجلة لدى اليونسكو مواقع أثرية متعددة، بينها بقايا المدينة القديمة ومعابد ومنشآت مرتبطة بالحياة الدينية والعمرانية ومنظومة الري.
ومن أشهر هذه المعالم معبد أوام، المعروف بمحرم بلقيس، ومعبد بران، إلى جانب منشآت أخرى موزعة في محيط مأرب القديمة.
وتشير المصادر اليمنية الرسمية إلى أن مأرب لم تكن عاصمة سياسية ومركزا تجاريا فحسب، بل كانت أيضا مركزا دينيا مهما، بما تضمه من معابد سبئية بارزة.
سد يتجدد عبر القرون
لم يكن السد في شكله الذي نعرفه اليوم نسخة ثابتة بقيت كما هي منذ العصر السبئي الأول.
فالموقع شهد أعمال بناء وتطوير وصيانة متعاقبة، واستمرت عملية تطوير المنشآت المرتبطة به على فترات زمنية طويلة.
وتكشف الاكتشافات الأثرية عن طبقات متعددة من تاريخ المنشأة.
ففي عام 2006، أعلنت أعمال تنقيب أثرية عن اكتشاف سد أثري تحت السد المعروف في الموقع، يعود بحسب نتائج البعثة الأثرية الألمانية إلى عام 456م، وكان مرتبطا بتوفير المياه لمدينة مأرب القديمة وبمنظومة القنوات الزراعية.
ويكشف ذلك عن أن قصة السد لم تكن قصة بناء واحد، وإنما قصة أجيال متعاقبة ظلت تعمل على صيانة منظومة المياه وتطويرها لمواجهة تغير الظروف الطبيعية واحتياجات السكان.
الانهيار الذي غير وجه مأرب
ظل السد يؤدي دوره عبر قرون طويلة، لكنه وصل في النهاية إلى مرحلة الانهيار.
وتشير الدراسات التي أوردتها اليونسكو إلى أن السد انهار في القرن السادس الميلادي، وأن هذا الحدث ارتبط بموجات هجرة وتراجع في مكانة مأرب.
ويرتبط انهيار السد أيضا بما ورد في القرآن الكريم في سورة سبأ عن سيل العرم وما ترتب عليه من تغيرات في الأرض والسكان.

ومع انهيار منظومة الري وتراجع القدرة على التحكم في المياه، تغيرت الظروف التي قامت عليها واحة مأرب القديمة، وبدأت مرحلة مختلفة في تاريخ المدينة والمنطقة.
لكن انهيار السد لم يكن نهاية مأرب.
فالمدينة بقيت حاضرة في الجغرافيا والتاريخ اليمني، وظلت آثار المملكة ومنشآت الري شاهدة على حضارة تركت بصمتها في جنوب الجزيرة العربية.
من السد القديم إلى السد الحديث
في القرن العشرين، عادت فكرة سد مأرب إلى الحياة في صورة حديثة.
وبدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة، شيد سد مأرب الحديث في ثمانينيات القرن الماضي، في منطقة وادي ذنة، بهدف تنظيم مياه السيول ودعم الزراعة والاستفادة من الموارد المائية في المنطقة.
وأعاد السد الحديث إلى مأرب جزءا من الدور الذي ارتبط بها منذ آلاف السنين: إدارة المياه لخدمة الأرض والإنسان.
وهكذا أصبح في مأرب مشهد نادر يجمع بين بقايا منظومة ري ضاربة في القدم ومنشأة حديثة تؤدي وظيفة مائية في العصر الحديث.
ذاكرة لا تختصرها الحجارة
قيمة سد مأرب لا تكمن في بقايا جدرانه فقط.
إنه شاهد على مرحلة تمكن فيها سكان جنوب الجزيرة العربية من بناء منظومة مائية معقدة في بيئة صعبة، وربطوا بين إدارة المياه والزراعة والعمران والتجارة.
ولهذا تصف اليونسكو منظومة الري في مأرب بأنها شاهد على براعة تقنية في الهندسة المائية والزراعة، وعلى قدرة الدولة السبئية على إدارة مشروع واسع ومعقد.

وفي عام 2023، أدرجت اليونسكو معالم مملكة سبأ القديمة في مأرب على قائمة التراث العالمي، في اعتراف دولي بالقيمة الاستثنائية للمواقع الأثرية التي تمثل تاريخ المملكة وإنجازاتها الحضارية.
وبذلك لم يعد سد مأرب مجرد أثر يمني عريق، بل أصبح جزءا من التراث الإنساني الذي تحظى حمايته بأهمية عالمية.
سد مأرب.. ذاكرة سبأ
بعد أكثر من ألفي عام، ما تزال مأرب تحتفظ في أرضها بما يكفي لقراءة فصل كبير من تاريخ اليمن.
هنا كانت المياه مشروعا للدولة، والزراعة أساسا للازدهار، والتجارة جسرا إلى العالم القديم.
وهنا أيضا ترك اليمنيون القدماء دليلا ماديا على أن الحضارة لا تقاس فقط بعظمة القصور والمعابد، وإنما بقدرة الإنسان على بناء نظام يجعل الصحراء قابلة للحياة.
سد مأرب ليس مجرد أثر من الماضي، إنه قصة مدينة، وذاكرة حضارة، وشاهد على أن الماء كان يوما أحد أعمدة القوة التي صنعت مجد سبأ.
ومن هنا تبدأ ذاكرة سبأ في هيلان برس.. من السد الذي جعل من مأرب أكثر من مدينة، وجعل من الماء بداية حكاية حضارة.