لا يمثل الحوثي مذهباً في الدين بل إيديولوجيا، هي خليط من العنصرية والدين والمافوية.
يمتلك الحوثي بناء نظرياً وفلسفياً معقّداً لمفهوم الحكم والسلطة، تطوّر منذ نهاية القرن الثاني الهجري، وأخذ عديد تطبيقات في جبال وشمال اليمن خلال القرون العشرة الماضية. كل التطبيقات التاريخية، بلا استثناء، تشابه النموذج الحوثي القائم، وربما تفوقت عليه في فترات بعينها، كما حدث مع الإمام عبدالله بن حمزة، الحاكم الوحشي الذي تمجده وسائل التعليم الحوثية.
داخل النواة الحوثية هناك كيانان حاسمان: المجلس الجهادي، وهو الذي يهندس البلاد من الداخل. وأيضاً رابطة علماء اليمن، وتمثّل العقل الاستراتيجي الذي يصدر الفتاوى ويعيد صياغة التشريع بحيث يلائم الاحتياجات الميدانية والسياسية للجماعة.
يسْخر الحوثي في خطاباته ممن يطلقون على اسم جماعته "الحوثيون"، قائلاً نحن مسيرة قرآنية. المسيرة القرآنية التي يقودها لم تبن مدرسة واحدة للقرآن، ولم تؤسس لأي فعل شعبي أو شبابي متعلق بعلوم القرآن وحفظه. حين يجلس سياسيو الجماعة أمام العدسات ويقتبسون آيات من القرآن الكريم فإنهم في الغالب يخطئون. يشبه مكانهم من القرآن القصة التي نُشرت في 2001 عقب إعلان بوش الإبن نيته خوض "حرب صليبية" ضد الأعداء. على طاولة عشاء في البيت الأبيض طلب بوش من وزير دفاعه رامسفيلد أن يتلو صلاة الشكر، وهي كلمات قليلة تمجّد الله وتطلب منه البركة، فاكتشف أنه ما من أحد في الغرفة يحفظها. كان بوش، مثل سائر اليمين الغربي، متحمّساً لمسيحية من دون مسيح، ويحب من الكنيسة فقط الأجراس.
الأمر ذاته يحدث مع جماعة الحوثي. بلغ القائد الحوثي منزلة قرين القرآن، وصار وسيطاً كما يقول خطباء مساجده. فهو يملك التأويل، ويعلم مُراد الخالق، ويعمل على نقل تلك الرؤية في محاضراته الأسبوعية التي يُجبر كل موظفي البلاد على الاستماع لها. كانت الكنيسة ترفض ترجمة الإنجيل من اللاتينية إلى المحكيات الأوروبية، فالقسّ يعلم ما بداخل الكتاب وسينقله للناس وقتما يشاء. يجري الأمر ذاته مع الحوثي، فلا توجد إشارة واحدة على أن الجماعة القرآنية تؤسس لبنية تحتية لتعليم القرآن أو حتى صيانة مؤسساته. على النقيض من ذلك عملت الجماعة على تقويض البنية التحتية للقرآن الكريم، وتحطيم أيقوناته وأكثر من ذلك. كنتُ أتحدث على الهاتف إلى الناشطة اليمنية المعروفة حياة الذبحاني، وكانت تسرد لي أسماء وأعداد حفّاظ القرآن الذين قتلهم الحوثي في مدينة تعز.
المسيرة القرآنية بلا قرآن ليست اختراعاً حوثيّاً، لكنه الابتكار الأكثر وحشية في العالم. هذه ليست مبالغة، فلم أجد في تاريخ الجماعات والتنظيمات الإرهابية، خارج وداخل حقلنا العربي الإسلامي، كياناً بالغ التوحش ضد "الدين" كما هو مع الحوثي.
سأضع بين أيديكم جزءاً من التقرير الذي نشرته الشبكة اليمنية لحقوق الإنسان في ديسمبر من العام 2022:
وثقت الشبكة 3370 واقعة انتهاك طالت المساجد ودور العبادة في 14 محافظة يمنية ارتكبتها ميليشيا الحوثي، خلال الفترة من 1 يناير 2015م وحتى 30 أبريل 2022م.
كما وثقت الشبكة 109 حالة قتل لخطباء وأئمة المساجد، ومصلين، منها 62 حالة قتل نتيجة الإطلاق المباشر، و17حالة قتل نتيجة القصف العشوائي و19 حالة قتل نتيجة استخدام القوة المفرطة والضرب، و11 حالة قتل نتيجة الطعن واستخدام السلاح الأبيض، فضلاً عن 132 حالة إصابة جسدية. مضافاً إلى ذلك فقد وثقت الشبكة 376 حالة اختطاف طالت أئمة وخطباء مساجد ومصلّين، من ذلك 52 حالة تعذيب جسدي تعرضت لها تلك الفئات المختطفة، انتهت 6 حالات منها إلى الموت تحت التعذيب. تواصل الشبكة عرضها الموثق لجريمة الإبادة التي تقوم بها جماعة الحوثي ضد منظومة العبادة التي تقع خارج حزامها الإيديولجي: حول الحوثيون 378 مسجداً إلى ثكنات عسكرية، و54 مسجداً إلى غرفة عمليات لأعمالها الحربية.
في الأيام الماضية، بحسب شهود عيان وتدوينات عديدة، زار الحوثيون مدارس الريف التعزّي حيث بسطوا نفوذهم في الأسابع الفائتة. بوضوح أخبروا المديرين والمعلمين أن مدارسهم ستتلقى المناهج الدراسية من "صنعاء". على نحو عاجل، أخبروهم، سيتعين عليهم العناية بمادة القرآن الكريم: عليكم القرآن وعلينا التفسير. هذه العبارة التي قيلت لمدراء المدارس تلخّص كل شيء. يفرض الحوثيون امتثالاً إجبارياً على الجميع، وعلى نحو خاص يعنون بالفئات الهشة، مثل حديثي السن، ليجعلوا من أفرادها حوثيين نموذجيين على مستوى الشكل والمعنى. تفسير القرآن، الذي تزود به صنعاء سائر المحافظات، هو الرؤية الإيديولوجية الحوثية للدين والعالم والخالق. داخل تلك الرؤية يقع مفهوم السلطة، بل يحتل الهيكل بالكامل، وحوله يعاد بناء الدين والتاريخ والعلوم التربوية. داخل الدولة الحوثية أحدثت الجماعة تغييراً في المتن الصلب للمادة التعليمية في المراحل الأساسية وصل في بعض الأحيان إلى 80%.
إذا صعدنا إلى الأعلى، إلى الحقل الأكاديمي، فسنجد أنفسنا أمام قرار اتخذه الحوثيون في العام 2021 يهدف إلى حماية الهويّة الإيمانية للبلاد. في سبيل توفير تلك الحماية فرضَ الحوثيون مستشاراً ثقافياً لرئيس الجامعة تنحصر مسؤوليته في أمرين: تنقية المكتبة الجامعية من الشوائب، أي الكتب التي لا تعزز الإيديولوجيا الحوثية. ثمّ، وهذا الأخطر، مراجعة كل المشاريع البحثية ومنحها القبول أو الرفض. يجري النظر في الخطاب البحثي، حيث يتعين عليه أن يكون مسانداً لإيديولوجيا الدولة أو محايداً على نحو لا يقبل اللبس. كانوا قبل ذلك قد عيّنوا فريقاً ينظر في أطروحات الدكتوراه التي أنجزها الباحثون في الخارج، وبناء عليه الموافقة على الدرجة العلمية التي جاء بها الباحث أو رفضها.
هذا العنف الشامل، المادي والفنّي، يهدف في نهاية المطاف إلى خلق الإنسان الحوثي، ذلك الكائن أحادي البعد الذي يعمل خادماً للإيديولوجيا، سواء في جبهات القتال في مأرب أو في حقول الزراعة في محافظة حجّة.
حين نتحدث عن 3370 جريمة طالت منظومة العبادة فنحن في آخر الأمر نتحدث عن فعل مركّب، هو خليط من التطهير الثقافي، التصفية التاريخية، وتحطيم الأيقونات. بالموازاة تعرّض التعليم العالي، حقول العلوم الإنسانية بشكل رئيسي، لإبادة معرفية Epistemicide . أما الأرشيف العلمي للجامعات فخضع لعملية تطهير شبيهة بما فعله الفاشيون والنازيون في التاريخ القريب، أعني ما بات يطلق عليه أكاديمياً Libricide، أو إبادة المكتبات.
تستخدم الأكاديميا الألمانية مصطلح Gleichschaltung ويقصد به التوحيد الإيديولوجي القسري للرؤى والأفكار والخطاب.
أقدمت النازية على ذلك، حتى أنها أجبرت الكنيسة الكاثوليكية على قبول أن يحلف القساوسة بالولاء للقائد. في عموم البلاد الحوثية يقف الطلبة والموظفون في طوابير، مردّدين ذلك القسم المفزع:
"اللهم إنا نتولاك، ونتولى رسولك، ونتولى الإمام علي، ونتولى من أمرتنا بتوليه سيدي ومولاي عبدالملك بدر الدين الحوثي. ونبرأ إليك من أعدائك، وأعداء رسولك، وأعداء الإمام علي، وأعداء من أمرتنا بتوليه."
وتلك هي الهوية الإيمانية للبلاد، كما تريدها الدوائر الحوثية العميقة، وتعمل على توليدها وحراستها.
مروان الغفوري
