مبابي يعتذر للصين بعد سخريته من ماو تسي تونغ

الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، مؤسس جمهورية الصين الشعبية، لا يزال إرثه مثار جدل بين دوره في بناء الدولة الحديثة ومسؤوليته عن المجاعة الكبرى والثورة الثقافية (غيتي) الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، مؤسس جمهورية الصين الشعبية، لا يزال إرثه مثار جدل بين دوره في بناء الدولة الحديثة ومسؤوليته عن المجاعة الكبرى والثورة الثقافية (غيتي)

لم يكن كيليان مبابي يتوقع أن تتحول صورة ساخرة إلى أزمة تجارية في الصين بعدما تحدث خلال مقابلة مصورة عن صورة يظهر فيها وجهه مركبا على جسد رجل وصفه بأنه على ما أعتقد ديكتاتور صيني دون ذكر الاسم لكن الصورة كانت للزعيم الراحل ماو تسي تونغ.

وأثارت كلمات مهاجم ريال مدريد موجة غضب في الصين دفعت شركات محلية لإنهاء شراكاتها معه وتعليق بث مباريات الدوري الإسباني عبر التلفزيون الرسمي قبل أن يقدم اعتذارا في 27 أكتوبر 2026 ويؤكد احترامه للشعب الصيني وتاريخه، وتبعه اعتذارات من الدوري الإسباني وريال مدريد دون أن ينهي الجدل.

من هو ماو تسي تونغ؟
ولد في 26 ديسمبر 1893 في قرية شاوشان بمقاطعة هونان لأسرة زراعية وشارك في تأسيس الحزب الشيوعي الصيني عام 1921 ورأى في الفلاحين قوة الثورة. قاد الحزب خلال الحرب ضد اليابان والحرب الأهلية وخاض قواته المسيرة الطويلة 1934-1935 التي عززت مكانته، وفي 1 أكتوبر 1949 أعلن من بوابة تيانانمن قيام جمهورية الصين الشعبية بعد انتصار الشيوعيين وانسحاب الكومينتانغ إلى تايوان.

كيف تغيرت حياة الصينيين في عهده؟
ورثت الجمهورية اقتصادا زراعيا ضعيفا فبدأ إصلاحا زراعيا وزع أراضي كبار الملاك ثم أسس التعاونيات والكومونات الشعبية، وأصدر قانون زواج عام 1950 حظر الزواج القسري وتعدد الزوجات. وتوسعت المدارس وبرامج محو الأمية وحملات الصحة ومكافحة الأمراض، وارتفع متوسط العمر المتوقع من نحو 35-40 عاما عام 1949 إلى 65.5 عاما عام 1980 حسب دراسة نشرتها مجلة دراسات السكان عام 2015، لكنه تراجع حادا خلال المجاعة 1959-1961.

المئة زهرة ثم القمع
في 1956 شجع ماو المثقفين على النقد في حملة المئة زهرة ثم أطلق في يونيو 1957 حملة ضد من وصفهم باليمينيين استهدفت مفكرين وأكاديميين بالفصل والاعتقال والإرسال لمعسكرات العمل.

القفزة الكبرى والمجاعة
في 1958 أطلق القفزة الكبرى إلى الأمام لتسريع التصنيع عبر كومونات شعبية وأفران بدائية لصهر الحديد مع أهداف إنتاج مبالغ فيها وجمع الحبوب بأرقام غير واقعية، فانتشرت مجاعة واسعة 1959-1961. وتتراوح تقديرات الوفيات الزائدة بين 16.5 و45 مليون حسب دراسات سكانية، منها 30 مليونا حسب دراسة 1984 و36 مليونا حسب يانغ جيشنغ، وخلصت دراسة في مجلة مراجعة الدراسات الاقتصادية 2015 إلى أن نظام جمع المحاصيل فرض حصصا كبيرة على المناطق المنتجة دون تكيف مع تراجع الإنتاج. وأقر الحزب الشيوعي في قرار 1981 بأن أخطاء القفزة والحملة ضد الانتهازية اليمينية من أسباب الأزمة.

الثورة الثقافية
أطلق عام 1966 الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى محذرا من رأسماليين داخل الحزب وشجع طلاب الحرس الأحمر على مواجهة مسؤولين ومثقفين بجلسات إذلال واعتقالات طالت حتى رئيس الجمهورية ليو شاوتشي الذي توفي في الحبس 1969. وقدر المؤرخ أندرو والدر في دراسة 2014 شملت 2213 مقاطعة ومدينة وفيات 1.1 إلى 1.6 مليون وتعرض 22-30 مليون لاضطهاد بين 1966 و1971، واستمرت الاضطرابات حتى وفاة ماو في 9 سبتمبر 1976.

كيف يقرأ المؤرخون إرثه؟
يرى والدر في كتاب الصين في عهد ماو ثورة انحرفت عن مسارها 2015 أن النظام جمع حزبا منضبطا واقتصادا مركزيا أتاح تعبئة الموارد لكنه مكن القيادة من فرض سياسات غير واقعية، بينما يركز موريس مايسنر في الصين في عهد ماو وما بعده 1999 على التناقض بين طموح المساواة ونتائج السياسات وما تركته من مؤسسات.

لماذا احتفظ بمكانته؟
في 27 يونيو 1981 أقر الحزب في قرار تاريخي أن الثورة الثقافية أدخلت البلاد في اضطرابات وحمل ماو المسؤولية الرئيسية وانتقد تركيز السلطة وضعف القيادة الجماعية لكنه أكد أن إسهاماته في الثورة تتقدم على أخطائه. وبقيت صورته على بوابة تيانانمن وعلى العملة ووصفه الرئيس شي جين بينغ في ذكرى ميلاده الـ130 في ديسمبر 2023 بأنه بطل وطني.

ويفسر باحثون استمرار الإعجاب الشعبي بذكريات الأسر عن انتهاء الحروب وتأسيس الجمهورية وحنين بعض الفئات لما تصوروه مجتمعا أكثر تضامنا رغم الفقر، إضافة لدعاية واسعة بنت عبادة ماو حسب كتاب دانيال ليزه عبادة ماو 2011 ودراسة تيموثي تشيك مدخل نقدي إلى ماو 2010. وأظهرت مقابلات إيزا دينغ وجيفري جايفد مع أكثر من 70 مواطنا بين 2015-2018 أن الحنين مرتبط بعدم الرضا عن التفاوت بعد إصلاحات 1978، بينما حذر مارتن كينغ وايت في دراسة مايو 2026 من المبالغة في تصوير عهده كعهد مساواة مشيرا لنظام تسجيل الأسر 1958 الذي كرس امتيازات المدن.

وهكذا أعادت سخرية مبابي طرح سؤال تاريخي عن رجل جمع بين تأسيس الدولة وتوسيع التعليم والصحة وبين مجاعة وقمع وثورة ثقافية لا تزال ذكراه متباينة بين تبجيل رسمي وشعبي وذاكرة أسر عانت.