في صحراء مأرب، يقف معبد أوام شاهدا على حضارة لم تترك خلفها حجارة صامتة، بل نقوشا تروي قصة مملكة بنت نفوذها بالتجارة، ونظمت حياتها بالماء، وأقامت معابدها في مشهد معماري لا يزال يثير الدهشة بعد آلاف السنين.
يعرف الموقع اليوم على نطاق واسع باسم محرم بلقيس، بينما يحمل في المصادر الأثرية اسم معبد أوام، وهو أحد أبرز المعابد المرتبطة بمملكة سبأ، وأحد المواقع التي أدرجتها اليونسكو ضمن معالم مملكة سبأ القديمة في مأرب التي دخلت قائمة التراث العالمي عام 2023.
معبد لإله سبأ
كان أوام معبدا مكرسا للإله المقه، أحد أهم الآلهة في الديانة السبئية القديمة، وتكشف النقوش التي عثر عليها في الموقع عن طبيعة دينية واجتماعية واسعة للنشاط الذي شهدته ساحاته.
وتصف مصادر اليونسكو أوام، إلى جانب معبدي حَرُونم وبرآن، بأنه من المعابد الضخمة التي ارتبطت بطريق للحج والمواكب الدينية، وكانت تستقطب زوارا من مناطق مختلفة من الجزيرة العربية.
وهذا يعني أن أوام لم يكن مكانا معزولا في الصحراء، بل جزءا من منظومة دينية مرتبطة بمركز المملكة وعلاقاتها بالمناطق المحيطة.

محرم بلقيس.. رمز سبأ
ارتبط اسم محرم بلقيس بالموقع في الذاكرة الشعبية والوجدان اليمني، كما ارتبط معبد برآن المجاور باسم عرش بلقيس، ومع شهرة قصة ملكة سبأ أصبحت هذه المواقع جزءا من الصورة الراسخة عن مملكة سبأ وملكتها التي وردت قصتها في النصوص الدينية.
وتشير وثائق الترشيح إلى اليونسكو إلى أن أوام وبرآن أصبحا من أقوى الرموز المرتبطة بسبأ والهوية الحضارية اليمنية، وبقيت صورة بلقيس حاضرة في الذاكرة والتقاليد المتوارثة كملكة سبئية من مأرب.

ثمانية أعمدة كانت بداية الحكاية
عندما وصلت بعثة عالم الآثار الأمريكي ويندل فيليبس إلى مأرب عام 1951، لم يكن أوام مكشوفا كما يبدو اليوم. كانت الرمال تغطي أجزاء واسعة من الموقع، ولم يكن ظاهرا سوى قمم ثمانية أعمدة ضخمة وأجزاء علوية من جدار بيضاوي.
وبدأت أعمال التنقيب بإزالة الرمال المتراكمة، لتكشف عن قاعة كبيرة تصطف فيها الأعمدة، وسلالم، ومنحوتات برونزية وتماثيل من المرمر، إلى جانب عدد كبير من النقوش. وهكذا بدأ الموقع يكشف تدريجيا عن نفسه باعتباره واحدا من أعظم الآثار الدينية في جنوب الجزيرة العربية القديمة.

عمارة تتحدث عن قوة المملكة
عظمة أوام لا تكمن في حجمه وحده. فالعمارة الضخمة، والأعمدة الحجرية، وتنظيم المداخل والساحات، وما عثر عليه من نقوش وقرابين وتماثيل، تعكس مستوى من التنظيم والمهارة ارتبط بالمجتمع السبئي.
وتضع اليونسكو معابد أوام وبرآن وحَرُونم ضمن منظومة العمارة الدينية التي تميزت بها مملكة سبأ، إلى جانب المدن المحصنة والمنشآت المائية الضخمة.
وهنا تظهر الصورة الأكبر: مملكة استطاعت أن تبني سدا ينظم المياه، ومدنا تحيطها الأسوار، ومعابد ضخمة تستقبل الزائرين، وتدير في الوقت نفسه شبكة تجارية امتدت عبر طرق البخور. لم تكن تلك إنجازات منفصلة، بل كانت أجزاء من منظومة حضارية واحدة.

النقوش.. ذاكرة الحجر
إذا كانت الأعمدة تحكي قصة العمارة، فإن النقوش تحكي قصة الناس الذين عاشوا حول المعبد. وعثر في أوام على عدد كبير من النقوش السبئية التي تتناول موضوعات دينية واجتماعية وإدارية.
وتشير دراسات حديثة إلى اكتشاف ونشر نقوش جديدة من الموقع، بينها نصوص تتعلق بتقديم القرابين للإله المقه، وأخرى تقدم معلومات عن جوانب من الحياة الاجتماعية والدينية والإدارية في مملكة سبأ.
وفي دراسة حديثة نشرت عام 2025، تناول الباحث ديفيد بوتس نقشا غير منشور من معبد أوام، مشيرا إلى أن النقوش الموجودة في الحرم تكشف جوانب من الطقوس الدينية، والنذور، والعلاقة بين النخب والمعبد والإله المقه.
وهنا تكمن قيمة أوام الحقيقية: الحجارة لم تحفظ شكل المعبد فقط، بل حفظت شيئا من حياة المجتمع الذي بناه.

مكان للحج والقرابين
تشير الأدلة النقشية والأثرية إلى أن المعبد كان مركزا للعبادة والقرابين والنذور. وكانت بعض التماثيل والمنحوتات تقدم للمعبد بوصفها نذورا للإله المقه، طلبا للحماية أو الشفاء أو شكرا على النجاة.
وتقدم نقوش حديثة الدراسة أمثلة على أفراد قدموا قرابين للإله، كما توثق بعض النصوص طلبات مرتبطة بالحماية والصحة والنجاة. وهذا يكشف جانبا إنسانيا من الموقع، فخلف المملكة والطرق التجارية كانت هناك حياة يومية، وأناس يأتون إلى المعبد حاملين مخاوفهم وآمالهم ونذورهم.
أوام ومأرب.. معبد في قلب المملكة
لم يكن اختيار مأرب لبناء هذه المنشآت الضخمة أمرا عابرا. كانت مأرب عاصمة مملكة سبأ ومركزها الإداري والاقتصادي والثقافي، بينما سمح موقعها وشبكة الري التي طورتها المملكة بقيام نشاط زراعي واسع في بيئة شديدة الجفاف.
وبالتوازي مع ذلك، استفادت سبأ من موقعها على طرق تجارة البخور التي ربطت جنوب الجزيرة العربية بمناطق البحر المتوسط وشرق أفريقيا. ولهذا فإن معبد أوام يجب ألا يقرأ منفردا. أوام هو جزء من صورة مأرب الكبرى: مدينة، ومعبد، وسد، وواحة، وطرق تجارة، وإدارة مركزية.
ماذا بقي من أوام؟
اليوم لا يقف المعبد بكامل هيئته القديمة. لكن بقاياه تكفي لإدراك ضخامة المشروع المعماري، ولا تزال الأعمدة والعناصر الحجرية وبقايا المنشآت والنقوش تمنح الباحثين مادة واسعة لدراسة الحضارة السبئية.
وقد أدرجت اليونسكو معالم مملكة سبأ القديمة في مأرب ضمن قائمة التراث العالمي عام 2023، وتشمل سبعة مواقع أثرية، من بينها المعالم المرتبطة بالمدن والمعابد ومنظومة الري القديمة. كما أدرجت الممتلكات نفسها على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر منذ العام ذاته، في ظل المخاطر التي تهددها.
معبد لم يغلق أبوابه على التاريخ
ربما تغيرت وظيفة المكان، وسقطت أجزاء من جدرانه، وغمرت الرمال بعض أسراره، لكن أوام لا يزال يؤدي وظيفة أخرى بعد آلاف السنين. إنه يفتح نافذة على عالم سبئي لم يعد موجودا.
عالم كانت فيه مأرب عاصمة، والمقه إلها رئيسيا، والبخور ثروة تجارية، والماء أساسا للاستقرار، والمعابد مراكز للعبادة والحياة الاجتماعية، والنقوش وسيلة لحفظ القرارات والعهود والصلوات والقرابين.
ولهذا فإن الوقوف أمام أعمدة أوام ليس مجرد مشاهدة أطلال. إنه وقوف أمام أحد أكثر الشواهد وضوحا على أن مأرب كانت في قلب حضارة منظمة امتلكت المعرفة والموارد والقدرة على بناء مجتمع مزدهر في بيئة قاسية.
ولهذا بقي الاسم الشعبي محرم بلقيس حيا حتى اليوم، فالملكة حاضرة في الذاكرة، والمعبد الذي ارتبط باسمها حاضر في الحجر والنقش والرمال.
هنا، في أوام، نجد قلب سبأ النابض وملكتها بلقيس.
من ذاكرة سبأ في هيلان برس.