كيف يدفع الذكاء الاصطناعي القادة لقرار الحرب

إنذارات عسكرية مبنية على معلومات ملتبسة تضع القادة أمام قرارات مصيرية بين الاستعداد لهجوم محتمل وتجنب تصعيد غير محسوب (بيكسابي) إنذارات عسكرية مبنية على معلومات ملتبسة تضع القادة أمام قرارات مصيرية بين الاستعداد لهجوم محتمل وتجنب تصعيد غير محسوب (بيكسابي)

تكشف لحظات التوتر العسكري أن الخطر الحقيقي لا يكمن دائما في قرار الهجوم نفسه، بل في الاعتقاد بأن الخصم على وشك تنفيذه. ومع تدفق المعلومات بسرعة وضيق الوقت أمام القادة، يصبح الخط الفاصل بين الاحتياط والانجرار نحو المواجهة ضئيلا جدا.

وتبرز هنا إشكالية استخدام الذكاء الاصطناعي في الإنذار المبكر، فرصد تحركات غير اعتيادية لطائرات أو قطع بحرية وتصنيفها كتهديد محتمل قد يكون دقيقا من الناحية التقنية، لكن القفز إلى استنتاج أن الهجوم وشيك يبقى غير مؤكد. وإذا استجابت القيادة لهذه التوصية برفع الجاهزية وتحريك القوات، قد يقرأ الطرف الآخر تلك الخطوات كاستعداد هجومي ويرد بالمثل.

ويناقش هذا التحدي بحث جديد بعنوان الذكاء الاصطناعي واتخاذ القرار العسكري: عندما يسبق الإنذار الفهم، صادر عن معهد إس راجاراتنام للدراسات الدولية في سنغافورة، أعده الباحث في الدراسات الإستراتيجية دينيس فوا.

وأوضح فوا للجزيرة نت، أن الإنذار لا يشترط أن يكون خاطئا بالكامل ليصبح خطيرا، فالنظام قد يلتقط حركة جوية أو بحرية غير مألوفة بشكل صحيح، بينما يظل تفسيرها كهجوم وشيك محل شك، وعندها يبدأ الإنذار نفسه في تغيير الواقع الذي يفترض أن يقيّمه.

وأضاف أن رفع حالة التأهب بدافع الخوف قد يدفع الخصم الذي لا يعرف سبب التحركات إلى اعتبارها تهديدا مباشرا، فيتخذ إجراءات مضادة، ثم تعتبر تلك الإجراءات دليلا إضافيا على العداء، وتتشكل حلقة تصعيد متبادل.

وأشار إلى أن الخطورة تتضاعف عندما تكون الإجراءات الدفاعية مرئية ويصعب التراجع عنها، وتتخذ قبل دراسة احتمالات أخرى. ولفت إلى حوادث تاريخية مشابهة، مثل حادثة الضابط السوفياتي ستانيسلاف بيتروف عام 1983 الذي لم يتعامل مع إنذار إطلاق صواريخ أمريكية كدليل نهائي، وحادثة الصاروخ النرويجي عام 1995 التي أثارت قلق موسكو، وهي حوادث تظهر أن جوهر المشكلة يكمن في طريقة تقييم الإنذار.

وفي ظل توسع دمج الذكاء الاصطناعي في منظومات الإنذار، أجرت شركات تحالف أوكوس في 2024 تجارب لتطوير قدرات مستقلة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، كما واصلت واشنطن تطوير نظام مافن الذكي لدمج بيانات المستشعرات وتتبع الأهداف ودعم القرار.

وترى دراسة نشرتها مجلة نيتشر ماشين إنتليجنس عام 2026 أن السيطرة البشرية يجب ألا تقتصر على لحظة الموافقة النهائية، بل تمتد لتشمل دورة حياة النظام كاملة من التطوير والاختبار إلى التحقق، مع ضرورة وجود آليات للاعتراض ومقارنة المخرجات بمصادر أخرى.

وأكد فوا أن وجود إنسان في نهاية السلسلة لا يكفي إذا لم يمتلك قدرة حقيقية على مراجعة التقدير ورفضه، مشددا على أهمية التمييز بين ما رصده النظام فعليا وما استنتجه حول نوايا الخصم، والبحث عن معلومات ناقصة وتفسيرات بديلة.

كما تناولت دراسة أخرى بعنوان الذكاء الاصطناعي التوليدي والاستشراف الاصطناعي عند حافة الهاوية، كيف يمكن لتكرار محاكاة سيناريوهات كارثية أن يمنحها وزنا أكبر في التخطيط، وكيف تتحول قرارات طرف إلى مؤشرات تهديد للطرف الآخر، مستعرضة سيناريو افتراضيا لأزمة بين الهند وباكستان عام 2029 تبدأ بتفجير في كشمير وتتصاعد بسبب تقديرات آلية متبادلة.

وفي تقرير لوكالة رويترز في 17 سبتمبر 2026، اقترح خبراء أمريكيون وصينيون ضمانات مستوحاة من ضوابط السلاح النووي، تشمل وضع خطوط حمراء لدمج الذكاء الاصطناعي في الأنظمة النووية والإبقاء على السيطرة البشرية على الهجمات السيبرانية الخطيرة وإنشاء قناة اتصال للحوادث المرتبطة بالأنظمة المستقلة.

وخلص فوا إلى أن الإنذارات الأسرع قد تمنح القادة وقتا أطول لاتخاذ قرارات أفضل، لكن فقط إذا كانت آلية اتخاذ القرار تسمح باستخدام هذا الوقت، معتبرا أن السيطرة الحقيقية تعني القدرة على التشكيك في الإنذار واختيار بدائل وتغيير المسار مع ظهور أدلة جديدة.