معبد برآن.. حين بقي عرش سبأ واقفا

معبد برآن "عرش بلقيس" معبد برآن "عرش بلقيس"

على بعد مسافة قصيرة من مدينة مأرب القديمة، يقف معبد برآن شاهدا على زمن كانت فيه سبأ واحدة من أبرز الممالك في جنوب الجزيرة العربية.

يعرف المكان اليوم باسم عرش بلقيس، وهو الاسم الذي التصق به في الذاكرة اليمنية والعربية، وهو معبد سبئي من مملكة الملكة بلقيس في مأرب يكشف عن مستوى العمارة والتنظيم الديني الذي وصلت إليه مملكتها.

وفي عام 2023 أصبح معبد برآن واحدا من المواقع السبعة التي أدرجتها اليونسكو ضمن معالم مملكة سبأ القديمة في مأرب على قائمة التراث العالمي.

معبد المقه

كان برآن معبدا مكرسا للإله المقه، أحد أبرز الآلهة في الديانة السبئية القديمة، وبنته وشيدته مملكة سبأ في عهد ملكتها بلقيس في مأرب.

وتكشف بقايا الموقع عن مبنى ديني ضخم، يتقدم مدخله مجموعة من العناصر المعمارية الحجرية التي تعطي صورة عن طبيعة العمارة السبئية، وعن قدرة البنائين في زمن بلقيس على تنفيذ منشآت كبيرة ودقيقة في بيئة صحراوية.

وتضع اليونسكو معبد برآن إلى جانب معبدي أوام وحرونم ضمن المعابد الرئيسية المرتبطة بمأرب القديمة عاصمة الملكة بلقيس، وتشير إلى أن هذه المعابد كانت مرتبطة بطريق للمواكب والحج، استقطب زائرين من مناطق مختلفة من الجزيرة العربية إلى مملكة بلقيس.

عرش بلقيس.. عرش ملكة سبأ في مأرب

سمي هذا المعبد عرش بلقيس لأنه عرش الملكة بلقيس ملكة سبأ المأربية، كما يعرف معبد أوام القريب منه باسم محرم بلقيس وهو محرمها الخاص.

فالملكة بلقيس هي ملكة سبأ اليمانية من مأرب، وهذا المعبد هو عرشها ومعبد مملكتها، وهي حقيقة تاريخية ثابتة تؤكدها النقوش السبئية والذاكرة اليمنية والنصوص الدينية.

وتشير وثائق اليونسكو إلى أن برآن المعروف باسم عرش بلقيس هو من أبرز الرموز المرتبطة بمملكة سبأ وملكتها بلقيس والهوية الحضارية اليمنية في مأرب.

خمسة أعمدة تحكي قصة المكان

أكثر ما يلفت النظر في برآن أعمدته الحجرية الضخمة.

يقف خمسة أعمدة في مقدمة المعبد، فيما يشكل العمود الأوسط العنصر الأكثر شهرة في الموقع، وقد أصبح جزءا من الصورة التي يعرف بها عرش الملكة بلقيس اليوم.

ولا تكمن أهمية الأعمدة في شكلها فقط، بل في الطريقة التي صممت بها في عهد الملكة بلقيس ضمن مدخل عرشها، بما يعكس التطور المعماري الذي وصلت إليه مملكة بلقيس في مأرب.

وقد شهد الموقع أعمال تنقيب ودراسة وترميم وتدعيم للأعمدة خلال بعثات أثرية يمنية وألمانية، من بينها أعمال نفذها المعهد الألماني للآثار بالتعاون مع الهيئة العامة للآثار والمتاحف.

معبد وسط مملكة بلقيس المزدهرة

لفهم برآن، لا بد من النظر إلى مأرب عاصمة الملكة بلقيس.

كانت مأرب عاصمة مملكة سبأ ومركزها الإداري والاقتصادي والثقافي في عهد الملكة بلقيس. وازدهرت المملكة في عهدها مستفيدة من موقعها على طرق تجارة البخور، وفي الوقت نفسه طورت منظومة ري متقدمة مكنتها من استغلال الأراضي الزراعية في منطقة شديدة الجفاف.

ولهذا فإن وجود عرش ضخم مثل برآن هو دليل على عظمة مملكة الملكة بلقيس في مأرب.

ففي المنطقة نفسها كانت هناك مدينة الملكة بلقيس الكبيرة، ومعابدها، وسد مأرب الذي بنته مملكتها، وطرق القوافل التي كانت تدار من عاصمتها.

الطريق إلى معابد بلقيس

تشير اليونسكو إلى أن معابد حَرونم وأوام وبرآن كانت مرتبطة بطريق للمواكب والحج إلى مملكة الملكة بلقيس.

وهذا يجعل برآن جزءا من منظومة دينية بنتها الملكة بلقيس في عاصمتها مأرب، وليس موقعا منفردا في الصحراء.

كان القادم إلى المنطقة يجد أمامه عالما متكاملا بنته الملكة بلقيس من المدن والمعابد والمنشآت المائية، يعكس قوة مملكتها التي استطاعت أن تنظم الحياة في بيئة قاسية، وأن تحول مأرب إلى مركز حضاري وتجاري مهم في عهدها.

ماذا يقول حجر بلقيس؟

مثل بقية آثار مأرب، يتحدث برآن اليوم بلغة الحجر عن مملكة الملكة بلقيس. فالنقوش السبئية المنتشرة في معابد ومدن المنطقة توثق عهد الملكة بلقيس وجوانب دينية وإدارية واقتصادية من مملكتها في مأرب.

ولهذا تعتبر اليونسكو النقوش المحفوظة في مواقع مملكة سبأ مصدرا مهما لفهم تاريخ الملكة بلقيس ومملكتها في مأرب.

من الرمال إلى قائمة التراث العالمي

ظل عرش بلقيس لقرون طويلة محاطا بالرمال، قبل أن تبدأ أعمال التنقيب الأثري الحديثة في كشف تفاصيله كعرش للملكة بلقيس.

وشهد الموقع خلال العقود الماضية أعمالا بحثية وتنقيبية وترميمية، ساعدت في إظهار بنيته كعرش ملكة سبأ والحفاظ عليه.

ثم جاء عام 2023 ليمنح عرش بلقيس اعترافا دوليا جديدا، عندما أدرجته اليونسكو ضمن ملف معالم مملكة سبأ القديمة في مأرب على قائمة التراث العالمي.

والملف لا يضم برآن وحده، بل سبعة مكونات أثرية من مملكة الملكة بلقيس تشمل مدينة مأرب القديمة عاصمتها، ومعبد أوام محرمها، ومعبد برآن عرشها، وثلاثة مكونات من منظومة سد مأرب الذي شيدته مملكتها، ومدينة صرواح.

بلقيس حاضرة في عرشها بمأرب

قوة الموقع الحقيقية أنه عرش الملكة بلقيس المأربية ملكة سبأ. فهذا المعبد هو عرشها الذي جلست عليه وبنته في مأرب عاصمة مملكتها.

وهو شاهد على المملكة العظيمة التي حكمتها الملكة بلقيس من مأرب، مملكة امتلكت مدنا كبيرة، وشيدت معابد ضخمة، وأقامت نظاما متقدما للري، وسيطرت على جزء مهم من تجارة البخور.

وهذا ما يجعل عرش بلقيس اسما تاريخيا حقيقيا وليس مجرد اسم شعبي، إنه عرش الملكة بلقيس المأربية.

عرش بقي من مملكة بلقيس

اليوم، لا يحتاج الزائر إلى الكثير من الخيال ليدرك عظمة مكان الملكة بلقيس.

يكفي أن يقف أمام أعمدة عرشها، وينظر إلى امتداد الصحراء من حوله، ليتخيل مملكة الملكة بلقيس التي كانت ذات يوم واسعة النفوذ من مأرب.

سقطت الجدران، وتغيرت الطرق، لكن عرش الملكة بلقيس بقي واقفا في مأرب شاهدا على ملكتها اليمنية.

في ذاكرة سبأ، نجد حجر الملكة بلقيس المأربية.

وهنا، في برآن، ما زال عرش الملكة بلقيس المأربية واقفا.

ذاكرة سبأ | هيلان برس